الأخبار | News

محمد الصباح: وقف الهدر المالي .. وإلاّ فالخطر سيداهم المجتمع

18 يونيو 2012

 

اعتبر الدكتور الشيخ محمد الصباح وزير الخارجية السابق ان السياسة المالية الراهنة لا يمكن ان تستمر، ودعا الشيخ محمد خلال محاضرة في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية المجلس والحكومة الى العمل معا لوقف الاتجاهات المالية الخطيرة للانفاق العام. وحذر من ان فشل السلطتين في ذلك يعني اننا امام انعكاسات خطيرة على نسيج المجتمع. وشدد على ضرورة المحافظة على سلامة النظام المالي للكويت وحماية رفاه الاجيال القادمة.

واستعرض الشيخ محمد الصباح بشكل اساسي تعارض مفهوم التنمية المستدامة في دول مجلس التعاون الخليجي مع موارد ناضبة. واعتبر ان الكويت تمارس سياسة توزيع الثروات، وان اعتمادها بشكل رئيسي على %95 على النفط في مواردها يجعل منها الدولة الاكثر تعرض للمرض الهولندي ولظاهرة لعنة الثروة.

وفي ما يلي نص محاضرة د. الشيخ محمد الصباح:

 

قيل قديماً ان الاقتصاديين يعودون الى النظرية ويتساءلون عما اذا كانت ستنجح في واقع الحياة، وبالمثل، ينظر الاقتصاديون الى الأشياء الناجحة في الحياة العملية ويتساءلون عما اذا كانت تصلح من ناحية نظرية!

فعلى الرغم من الاستخدام على نطاق واسع لمصطلح «التنمية المستدامة» من قبل الخبراء الاقتصاديين والسياسيين وانصار البيئة.. الخ، الا ان هناك أكثر من ثلاثمائة تعريف مختلفة لهذا المصطلح.

فالاستدامة المالية هي مؤشر وضع للاجابة عن السؤال التالي: هل الموازنات المالية الراهنة أو المخطط لها متلائمة مع الدين المستقر مقارنة مع معدلات الناتج المحلي العام في ظل معدلات الفائدة والنمو وأسعار الصرف الحقيقية؟ بمعنى آخر، هل تمكن السياسة المالية الراهنة البلاد من سداد ديونها ام انها ستقودها الى الافلاس؟

لقد اتخذ الجدل حول القواعد المالية والاستدامة المالية في ظل الموارد الناضبة، منحى مختلفاً تماماً، فهذا الجدل يتخطى مسألة الافلاس الى قضايا أخرى معنوية واخلاقية.

عملية صعبة

فالتحديات التي تواجه صناع القرار في الاقتصادات ذات الموارد الناضبة لها أبعاد متعددة، وايجاد حل لهذه التحديات عملية صعبة وتتطلب قرارات صعبة ومقايضات مؤلمة، والحقيقة البسيطة المتعلقة بطبيعة الموارد في هذه الاقتصادات، هي انها شديدة التقلب وغير مؤكدة وآيلة للنضوب.

1 - قابلية النضوب:

الكأس المقدسة لصناع القرار في الاقتصادات ذات الموارد الناضبة تتمثل في العثور على قواعد مالية من شأنها زيادة رفاهية المجتمعات المعرضة يقود نضوب الموارد، الى الحد الاقصى الممكن، وبحل هذه المشكلة، نحصل على المعدل الأمثل من النضوب الذي يؤكد المساواة بين الأجيال والاستدامة المالية.

لقد بين هارتويك في مقالته الشهيرة بعنوان «المساواة بين الأجيال والاستثمار في ريع المصادر الناضبة.. إن السياسة المالية المستدامة هي التي يمكنها تحويل مخزون مؤقت قابل للنضوب من الموارد الطبيعية إلى مخزون من الأصول المالية التي تدر مصدر دخل دائماً.

فالمساواة بين الأجيال تتطلب من الجيل الحالي اعتماد سياسة مالية تسمح بتجميع الأصول المالية. وبالتالي، يمكن لعائد هذه الأصول تمويل العجز المستدام عند نضوب موارد الدولة، بمعنى أنه يجب أن يتم التعامل مع معدل النضوب باعتباره محفظة مالية يتم تحويل مصادر الثروة فيها إلى ثروة مالية.

2 - التقلبات وعدم اليقين والمرض الهولندي

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، كيف يمكن رسم وتطبيق سياسة مالية تقلص إلى الحدود الدنيا التأثير الضار لتقلبات أسعار الموارد وتحصين الاقتصاد أمام أعراض المرض الهولندي؟

فالسياسة المالية يمكنها تحصين الازدهار في الموارد من خلال تحويل جميع عوائد الموارد إلى صندوق موارد. وميزة هذا الصندوق أنه يمكن أن يحدّ من أعراض المرض الهولندي من خلال تحصين الاقتصاد، ومن تقلبات أسعار مصادر الثروة. ويمكن لمثل هذا الصندوق، أيضاً، أن يلعب دوراً في استتباب الاقتصاد من خلال إجراءات دورية مضادة، وكذلك الاضطلاع بدور صندوق التوفير للأجيال المقبلة، فالقاعدة النرويجية تذهب إلى ضرورة إنفاق العوائد على صندوق موارد. أما القاعدة الكويتية فهي أن المهم هي قواعد التوزيع وليس قواعد الإنفاق.

3 - لعنة الموارد

الأعمال المهمة لــ غيلب (88) واوتي (90) وساكس وورنر (95) أوجدت تقديراً متزايداً بتأثير نعمة الموارد الطبيعية على نمط النمو الاقتصادي والتنمية، وأثبت ساكس وورنر على وجه الخصوص أن الدول فقيرة الموارد الطبيعية تفوق الدول الغنية بالموارد في النمو الاقتصادي.

وقدراً، أن الزيادة بنسبة %15 في معدل الموارد الطبيعية إلى معدل الناتج المحلي خفّضت النمو المتوقع بأكثر من 1 في المائة سنوياً، ويبقى الجدل دائراً بشأن الأسباب.

لقد ساد الاعتقاد دائماً بأن الطبيعة المغرية لعوائد الموارد الطبيعية، كثيراً ما خربت السلوك الحكومي، فخلال الازدهار في الموارد، تدفقت العوائد بسهولة إلى ميزانيات الدول. أما الانخفاض الكبير في الأسعار، فقد اغرى الحكومة للاتجاه الى التكسب السياسي، وممارسة لعبة «السياسة بلا حدود».

ففي كتابها بعنوان «مفارقة الوفرة» ربط تيري كارل (97) وفرة الموارد بالفساد والسلطوية والتراجع الاقتصادي، في حين، عزا كوليير ايتال (5 0) النزاعات العنيفة والحروب الاهلية الى الاعتماد المفرط على هذه الموادر في تلك الدول.

فهل ستظل الدول الغنية بالموارد كذلك الى الابد؟ يقول باتاشاريا وهادلر (09) ان الامر ليس كذلك، فقد درسا 124 دولة خلال الفترة من 1980 ــ 2004 وتبين لهما ان العلاقة بين وفرة الموارد والفساد تعتمد على نوعية المؤسسات الديموقراطية، فغياب الشفافية والمصداقية وانظمة الرقابة والتوازن في اجهزة الحكم، تمثل كلها اسباباً رئيسية لانتشار الفساد في الدول الغنية بالموارد.

وهكذا، فإنه بالنظر الى الواجب الاخلاقي المتمثل بالمساواة بين الاجيال، وفي ظل المخاوف الاقتصادية بشأن الاستقرار والمرض الهولندي والمخاوف الاجتماعية والسياسية من لعنة الثروة، فإن المرء ليتوقع من دول مجلس التعاون الخليجي ان تتبع سياسة مالية محافظة.. ثم جاء الربيع العربي.

4 ـــــ الربيع العربي ودول مجلس التعاون

تمتلك دول مجلس التعاون مخزونا ضخماً وطويل الامد من الموارد الهيدروكربونية وتعتمد عليه بشكل كبير، ففيها %37 من احتياطي النفط العالمي و%22 من احتياطي الغاز الطبيعي، ويتوقع ان يمتد انتاج الكويت وقطر والامارات العربية المتحدة من النفط والغاز الى مائة عام، والمملكة العربية السعودية الى 75 عاماً، وفقا لمستويات الانتاج الحالية، اما البحرين وعمان، فمن المتوقع ان تستنفدا مخزوناتهما خلال العقدين المقبلين.

واعتباراً من 2011 وصل احتياطي قطر اكثر من 770 الف برميل من النفط للفرد الواحد و142 الفاً في الامارات و96 الفا في الكويت و16 الفا في السعودية و5 آلاف في عمان و3 آلاف في البحرين.

وبالاضافة الى ذلك، تعتمد دول الخليج بدرجة كبيرة على القطاع النفطي كمصدر للعملات الاجنبية، فخلال الفترة من 2010 - 2000 شكل النفط والغاز %35 من اجمالي الناتج المحلي العام لهذه الدول، وانتج %77 من إجمالي العوائد من العملات الصعبة. وتعتمد حكومات دول مجلس التعاون الخليجي على هذا القطاع تحديداً في تمويل ميزانياتها. وشّكل قطاع الهيدروكربون حوالي %80 من عوائد حكومات دول مجلس التعاون خلال تلك الفترة.

الأكثر تعرضاً

ومن المثير ملاحظته ان الكويت هي الأكثر اعتماداً على النفط من بين كل دول المجلس، فخلال الفترة من 2006 - 2010 شكل النفط حوالي %95 من الإيرادات الحكومية و%93 من الصادرات. هذه الحقائق تجعل الكويت الأكثر تعرضاً للمرض الهولندي ولظاهرة لعنة الثروة.

وحتى في ما يتعلق بهياكل الميزانيات، يبدو ان الكويت تتبع سياسة مالية يغلب عليها النمط الاستهلاكي مقارنة بدول المجلس الأخرى، وخلال الفترة من 2000 - 2009، شكلت النفقات الجارية أكثر من %88 من نفقات الحكومة بينما وصلت هذه النسبة الى 83 % في الإمارات و%80 في السعودية و%76 في البحرين و%72 في عُمان و%70 في قطر.

ومما يثير القلق أكثر هو الهيمنة الحكومية على قطاعات الاقتصاد غير النفطية، ومرة أخرى، تسجل الحكومة حضوراً مهيمناً على النشاطات الاقتصادية المحلية غير النفطية وبشكل لا يضاهيه مستوى في دول مجلس التعاون الأخرى.

لقد وصل الانفاق الحكومي في الكويت خلال الفترة من 2000 - 2009 الى حوالي %80 من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي. وكانت أقرب الدول الى الكويت في ذلك هي عُمان والسعودية (%66) والإمارات والبحرين (%36)، وقطر (%64).

زعزعة الاستقرار المالي

لقد عمل الربيع العربي على تسريع زعزعة الاستقرار المالي لدول مجلس التعاون، بل انه أجبر حكومات هذه الدول على اتخاذ خطوات وسياسات شعبوية. فقد زاد الانفاق الحكومي بمعدل %20 في عام 2011 من 300 مليار دولار عام 2010 الى 360 ملياراً عام 2011. وذهب معظم هذا الصرف على خلق فرص عمل وزيادة الأجور والإسكان وبرامج اجتماعية أخرى.

لقد أشارت منظمة العمل الدولية في تقريرها ان معدل البطالة في دول مجلس التعاون عام 2009 وصل الى ضعفي المعدل العالمي (%12.8)، وفي الواقع، فإن ذلك قد يفسر التركيز في الانفاق العام على خلق فرص عمل جديدة.

الالتزامات المتزايدة لدول مجلس التعاون

من المؤكد أن تمارس حكومات هذه الدول المزيد من الضغوط وأن تطبق إجراءات مشدّدة في مجال الإنفاق العام. فعلى الرغم من الموقع المالي الإيجابي حالياً، فإن برامج الإنفاق لا يمكن أن تستمر.

فالاضطربات المستمرة في أسواق المال العالمية وأزمة اليورو واحتمال انتقال العدوى إلى الأسواق العالمية تسلط الضوء على مخاطر الانخفاض المحتمل لأسعار النفط. ومع اتساق نطاق المخاطر عالمياً، فإن تدفقات رأس المال إلى دول الخليج قد تنخفض هي الأخرى، كما أن مداخيل دول المجلس من أصولها الأجنبية قد تتراجع. وتنبأ البنك الدولي بتراجع أسعار النفط بمعدل %3.4 خلال عام 2013، وبتراجع آخر بمعدل %0.5 في عام 2014.

وعليه، فإن تضافر ارتفاع الإنفاق العام وتراجع أسعار النفط سيشكلان تحديات خطيرة أمام حكومات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ومن ناحية أخرى، فإن سعر نقطة التعادل للميزانية ارتفع بشكل كبير، خلال السنوات الأخيرة، وسوف يستمر في الارتفاع إذا استمرت الاتجاهات الراهنة لحركة السوق.

ففي دراسة أجرتها، أخيراً، لجنة التنافسية الوطنية في الكويت (2012)، تنبأ القائمون على الدراسة أن تواجه الكويت عجزاً خطيراً في الميزانية، خلال أقل من عشر سنوات، حتى في ظل أفضل السيناريوهات تفاؤلاً بمستقبل أسعار النفط، إن لم يتم ضبط الإنفاق العام.

وأكدت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي ما ذهبت إليه اللجنة الكويتية، فقد حذّر الصندوق الكويت من عجز في الميزانية يلوح في الأفق إن لم يتم خفض الإنفاق العام بعدل 25 مليار دولار مع حلول عام 2017. وللأمانة، فإن محافظ بنك الكويت المركزي السابق الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح، وصف في كتاب استقالته، المشهد الاقتصادي الراهن بأنه يتجه نحو فوضى حالية غير مسبوقة. وأكد أن الوقت يمر سريعاً، وأن الكويت بحاجة إلى استخدام الفوائض المالية الراهنة لإجراء الإصلاح الاقتصادي، بدلاً من التهرب منه.

وبالإضافة إلى ذلك، أكد وزير المالية في بيان له أمام مجلس الأمة، قبل أسابيع، عدة، أن الحكومة تنفق %73 من عائدات النفط على الرواتب والأجور، وقدَّر أن أسعار نقطة التعادل لميزانية الكويت ستكون أقل من 107 دولارات، وأنه إذا استمر الاتجاه للإنفاق العام، فإن سعر نقطة التعادل، وفق تقديرات الوزير، سيصل إلى 213 دولاراً.

وباختصار، فإن السياسة المالية الراهنة لا يمكن أن تستمر، ويجب على الحكومة ومجلس الأمة العمل معاً على وقف الاتجاهات المالية الخطيرة للإنفاق العام. وإذا فشلا في عمل ذلك الآن، فستكون لذلك انعكاسات خطيرة على نسيج المجتمع الاجتماعي والاقتصادي. وينبغي الحفاظ على سلامة النظام المالي للكويت وحماية رفاه الأجيال المقبلة.

فوضى مالية

تطرق د. محمد الصباح الى كتاب استقالة محافظ بنك الكويت المركزي السابق الشيخ سالم عبدالعزيز الصباح بوصفه المشهد الاقتصادي الراهن بأنه يتجه نحو فوضى مالية غير مسبوقة.

واجب أخلاقي

قال د. الشيخ محمد الصباح انه بالنظر الى الواجب الاخلاقي المتمثل بالمساواة بين الأجيال، وفي ظل المخاوف الاقتصادية بشأن الاستقرار والمرض الهولندي والمخاوف الاجتماعية والسياسية من لعنة الثروة، فان المرء يتوقع من دول مجلس التعاون الخليجي ان تتبع سياسة مالية محافظة.. ثم جاء الربيع العربي.

عجز خطير

استند الشيخ محمد الصباح الى دراسة أجرتها اخيرا لجنة التنافسية الوطنية في الكويت 2012 تنبأ القائمون بها ان تواجه الكويت عجزا خطيرا في الميزانية خلال اقل من عشر سنوات حتى في ظل أفضل السيناريوهات تفاؤلا بمستقبل أسعار النفط، إن لم يتم ضبط الانفاق العام.

نفقات ذات صلة بالربيع العربي

اعطى الشيخ د. محمد الصباح بعض الامثلة على النفقات ذات الصلة بالربيع العربي في دول مجلس التعاون الخليجي وكانت كالتالي:

 

البحرين: لمواجهة الانقسام الطائفي الخطر، تعهدت الحكومة بانفاق 6.6 مليارات دولار على قطاع الاسكان.

 

الإمارات: تم تقديم اعانات غذائية جديدة ورفع الرواتب التقاعدية بمعدل %70 والتعهد بانفاق ملياري دولار على شكل قروض اسكانية في الامارات الشمالية، أما حكومة أبوظبي، فقد خصصت 600 مليون دولار لتقديمها كقروض اسكانية لمواطنيها في الإمارة.

 

المملكة العربية السعودية: أعلنت الحكومة عام 2011 عن برنامج بقيمة 130 مليار دولار لمكافحة البطالة في صفوف الشباب ولتقديم خدمات اجتماعية أخرى.

 

عُمان: تعهدت الحكومة بتخصيص 1.3 مليار دولار كمنافع اجتماعية ولخلق 50 ألف فرصة عمل جديدة في القطاع العام.

 

قطر: تعهدت الحكومة بتقديم خدمات اجتماعية بقيمة 8.1 مليارات دولار بما في ذلك زيادة كبيرة في رواتب القطاع العام.

 

الكويت: قفز الانفاق العام من 40 مليار دولار عام 2009 / 2010 الى 57 ملياراً عام 2010 / 2011، ويتوقع ان يصل الى 69 ملياراً لعام 2011 / 2012، اي زيادة بمعدل %31.5 سنوياً.

المصدر: القبس