محاضرات | Lectures

التنمية المستدامة في عالم مضطرب

 

 

مملكة البحرين

12 مارس 2014

 

تفاقمت دراما التنمية المستدامة إلى حدود الأزمة خلال الــ 40 سنة الماضية حتى الدول التي تعتبر نفسها في جزر من الاستقرار وسط محيط هائج بدأت تدرك بأنها ليست بمنأى عن خطر ارتفاع حدة الإضطرابات الدولية.

لقد أصبحت أزمة التنمية المستدامة بالفعل أزمة تؤرق الأمن القومي والعالمي. فكل بلد يواجه تحديات متزايدة التعقيد من الطاقة والغذاء والأمن المائي وارتفاع تواتر وشدة الكوارث الطبيعية ومشكلات البطالة. فالعديد من البلدان الفقيرة لديها مشكلة التزايد المطرد في عدد السكان، بما يمنعها من الوفاء باحتياجات التعليم وإيجاد فرص العمل لشبابها.

ولعل الاحتجاجات التي اجتاحت أنحاء العالم تشهد على التوترات المتزايدة جراء عدم المساواة في توزيع الدخل وإستفحال مشكلة البطالة. وتعاني العديد من مناطق النزاع في العالم، بما في ذلك مناطق الساحل والقرن الأفريقي وغرب آسيا، من ارتفاع مستويات الجوع الناجمة عن انخفاض هطول الأمطار، حيث يتم عادة تفسير هذه النزاعات كأزمات متعلقة في الدين أو السياسة. إلا أنه لا شك بأن موجات الجفاف والمجاعات والهجرات الجماعية وغيرها من أعراض عدم الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية كان لها الأثر الأكبر في نشوء واستمرار هذه الحروب.

لقد بدأت دراما التنمية المستدامة بشكل علني خلال مؤتمر الأمم المتحدة حول "البيئة والتنمية" الذي عقد في ستوكهولم عام 1972 والذي أكد على ضرورة إتساق السياسات الاقتصادية مع الواقع البيئي. كما أن الدراسة المهمة التي أعدها نادي روما 1972 "حدود النمو" limits to growth، أكدت على حتمية تصادم الأهداف الاقتصادية مع حدود وقدرات النظام البيئي على تلبية الإحتياجات الإنسانية ومن ثم إحتمال إنهيار النظام العالمي في أواخر القرن 21.

وللأسف لم يتم إتخاذ أي إجراء حيال هذه التحديات منذ ذلك الحين.

وبعد مرور 20 سنة وخلال "قمة الأرض" في ريوRio عام 1992 إتفقت دول العالم على 3 وثائق جوهرية لمواجهة التحديات البيئية وهي:

  • الاتفاق الإطاري حول تغيير المناخ
  • الاتفاق حول التنوع البيولوجي
  • الاتفاق حول التصحر

ولكن مرة أخرى وللأسف لم توضع هذه الاتفاقيات موضع التنفيذ الجدي وإستمرت دراما التنمية المستدامة.

وبعد 20 سنة أخرى في عام 2012 وفي قمة ريو 20 + Rio قررت دول العالم إنشاء "أهداف التنمية المستدامة" لتحفيز العالم على إتخاذ قرارات وتبنيّ إستراتيجيات تقلل من حدة التدمير البيئي من قبل النشاط البشري.

لقد فقد العالم وقت ثمين من عام 1972 إلى عام 2012 في عدم مواجهة الكارثة البيئية، فإرتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون من مستوى 327 جزء في المليون عام 1972 إلى 365 جزء في المليون عام 1992 متجاوزاً خط الخطر 350 جزء في المليون والآن بلغ مستوى 400 جزء من المليون مما يعني أنه من المستحيل منع ارتفاع مستوى درجة حرارة الأرض من تجاوز درجتين مئويتين.

ويستمر الجدل السياسي العقيم حول من هو المسؤول عن هذا الدمار ومن يجب أن يتحمل فاتورة الإصلاح بينما تتجمع غيوم الكارثة البيئية وتظهر بعض آثارها مثل العواصف المدمرة والفيضانات والجفاف ومن المتوقع أن تغرق دول مثل المالديف ومدن عريقة مثل البندقية ودمار لأكثر من 300 مليون منزل حول العالم.

وفي الوقت الذي فشلت فيه البشرية في صياغة أسلوب جماعي في مواجهة هذه التحديات الكونية نجحت هوليوود في إخراج أفلام حركية عن عمل دولي جماعي في مواجهة تهديد على الكرة الأرضية من خطر خارجي كإرتطام نيزك في الأرض أو غزو من قبل كائنات فضائية ولكن إبتعدت هوليوود تماماً عن الإحتمالية الأكثر رواجاً وهي أننا نواجه مسير مظلم وكارثي من فعل البشر وقد يكون هو الموجه السادسة من الفناء.

Sixth great wave of extinction.

دولة بعد أخرى بدأت تدرك أنه من المستحيل مواجهة هذه الكارثة الكونية بشكل منفرد، حتى الدول سريعة النمو مثل الصين والبرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا بدأت تظهر لديها أعراض عدم الاستقرار وتباطىء النمو الاقتصادي وبدأ يتزايد لديها الإحساس والشعور بأن حدة الأزمة البيئية خارج نطاق سيطرتهم الوطنية.

لذلك أصبح دور الأمم المتحدة محوري في مواجهة هذه الأزمة الكونية وضروري لوضع إجراءات لتفادي الكوارث البيئية.

فإستمرار السياسات الراهنة يعني عدم إستقرار إقتصادي وتباطىء النمو الاقتصادي وتزايد عمق الإختلالات الهيكلية في الاقتصاد ومؤكداً تزايد حدة الكوارث الطبيعية.

كما أن إستمرار السياسات الراهنة ستؤدي إلى تفاقم مشكلة النمو السكاني حيث من المتوقع أن يزيد سكان الأرض من 7.2 بيليون حالياً إلى 11 بيليون خلال عقدين من الزمن وبما أن أغلب هذه الزيادة ستكون في الدول الفقيرة فإن قدرة هذه الدول على الخروج من مصيدة الفقر والمجاعة والإنحدار الاقتصادي ستكون شبه مستحيلة، مما يزيد من حدة الفقر في العالم وزيادة الإضطرابات الدولية.

لكننا نستطيع مواجهة هذه التحديات، بل والتغلب عليها. فمن خلال تطويع التقدم الكبير في مجال ثورة المعلومات والإتصالات والطاقة البديلة وجينومكس الهندسية الوراثية نستطيع أن نحقق أهداف طموحة وأن ننتقل من مسار السياسات الحالية المدمرة للحياة الإنسانية إلى المسار البديل وهو التنمية المستدامة.

فالتنمية المستدامة توفر إطار منهجي فعال في مواجهة تحديات كونية معقدة، فهي تعرض منهجية تحليلية وآلية فعالة في تحديد الأهداف الوطنية. فتداخل وتشابك قضايا التنمية الاقتصادية والإستقرار الاجتماعي ضمن إطار الواقع البيئي يفرض آلية حلول تأخذ في الإعتبار التوازن الدقيق بين الأهداف الآنية والمستقبلية من جهة والتنمية الاقتصادية والإجتماعية والسياسية من جهة أخرى وتصبح نوعية وكفاءة الحكومة والحكم الرشيد مصدر رئيسي في نجاح تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

لن تستطيع دول بعينها، حتى الدول الصناعية الكبرى، أن تنجح في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بصورة منفردة، لذلك يجب أن تأخذ الأمم المتحدة الريادة في استراتيجية التحول من مسار السياسات الراهنة إلى استراتيجية التنمية المستدامة في جميع دول العالم. كما أن المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لن تستطيع أن تقود هذا التحول بمعزل عن الأمم المتحدة وذلك للأسباب التالية:-

  1. القضايا المطروحة هي في جوهرها قضايا كونية والأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة التي لديها الشرعية السياسية في مناقشة هذه القضايا.
  2. التنمية المستدامة هي من صلب مهام الأمم المتحدة كما جاء في الفترة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة.
  3. تتشعب وتتداخل أهداف التنمية المستدامة في مجالات عديدة متشعبة ومتداخلة وفي بعض الأحيان متنافرة مثل القضايا الدبلوماسية والاستراتيجية والثقافية والاقتصادية.
  4. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف التزام دولي بشأن قياس الأداء ومراقبة التطبيق وتنسيق الجهود الدولية والإشراف على مسار التنمية المستدامة.

إننا الأن على أعتاب حقبة جديدة من التطور الدولي. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى الثمانينات إنشغل الجهد البشري في تفكيك الإستعمار والدخول في صراعات الحرب الباردة. ومنذ 1980 إلى الآن شهدنا الفورة المبهرة لعصر العولمة.

لقد أصبح الاقتصاد العالمي متداخل ومتشابك ومرتبط بشبكة اتصالات مباشرة ومواصلات سريعة وحركة كبيرة في الاستثمارات الخارجية وقد تكون ظاهرة الصين هي أبرز مظاهر هذه الحقبة. فالاقتصاد الصيني حقق نمو مذهل، 10% لمدة 28 عام، سواهم بذلك في نمو اقتصاديات كثيرة حول العالم.

وجر النمو المبهر للاقتصاد الصيني ورائه مجموعة كبيرة من الدول الناشئة التي استغلت هذه الحقبة ببناء بنيتها التحتية من طرق وطاقة والياف بصرية وموانئ ومطارات، كما أنها عملت على إنفاق مبالغ كبيرة على التعليم والبحث العلمي.

ولم يؤدي هذا النمو الاقتصادي السريع في الاقتصاديات النامية إلى تحسن مستوى المعيشة فحسب بل أدى إلى تخفيض كبير في معدل الفقر المدقع في أماكن عدة مثل الدول الأفريقية، جنوب الصحراء والدول الفقيرة في شرق آسيا مثل كمبوديا وفيتنام ولاوس. وفي المحصلة الأخيرة كانت نتائج هذه الحقبة حقاً مبهرة، فانخفض معدل الفقر المدقع في الدول النامية من (44%) عام 1990 إلى أقل من (21%) في 2010.

وصاحب هذا النجاح في الحرب على الفقر المدقع نجاحات أخرى في محاربة الأمراض المعدية ووفاة الأطفال والأمية وغيرها.

باختصار، لم تكن نجاحات عصر العولمة تتحقق لولا العوامل الأربع التالية:

  1. تخفيض الولايات المتحدة وأوروبا القيود على الصادرات من الدول النامية.
  2. تجاهل الدول الصناعية والنامية على حد سواء الآثار المدمرة للنمو الاقتصادي السريع على البيئة مثل تلوث المياه وتدمير التربة الزراعية والتغير المناخي.
  3. تقديم دعم كبير لهذا النمو الاقتصادي من مؤسسات برتون وودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) وإنشاء منظمة التجارة الدولية عام 1994.
  4. انهيار العوائق الايدولوجية والجيوسياسية أمام التجارة الدولية بفضل الانفتاح الصيني على العالم عام 1978 ونهاية الحرب الباردة عام 1991.

قد كان النمو الاقتصادي السريع للدول النامية (معدل 5 – 6 %) سنوياً وتباطؤ نمو الدول الصناعية (معدل 2% سنوياً) الأثر الأكبر في تقليص فجوة فارق الدخل بين المجموعتين. إلا أنه من المتوقع ألا يستمر هذا الأمر خلال الحقبة القادمة بسبب انخفاض قدرة الدول الصناعية على استيعاب صادرات الدول النامية وكذلك بسبب تفاقم المشاكل البيئية المصاحبة للنمو السريع وتزايد وتكلفة إصلاح هذا الدمار، الأمر الذي يفرض اتباع منهجية ونموذج جديد يحافظ على مزايا النمو الاقتصادي ويقلل الآثار الكارثية للدمار البيئي.

ما يحتاجه العالم الآن هو تغير ضروري وراديكالي في منهجية وأسس النموذج السابق للتنمية الاقتصادية لصالح نموذج التنمية المستدامة.

وكلما طال أمد أتباع النموذج القديم للتنمية، كلما ارتفعت مخاطر التغير المناخي وتفاقم التلوث البيئي وزادت حدة الانقسام الاجتماعي وانعدام الأمن الغذائي.

فالبشرية شهدت موجات متتالية من التطور منذ الثورة الصناعية، فحقبة 1780 – 1830 كانت حقبة المحرك البخاري ثم حقبة الكهرباء والكيمياء 1880 – 1930 ثم حقبة الاتصالات والمعلومات 1970 – 2010 وها نحن نقف الآن على مشارف حقبة التنمية المستدامة.

وهنا يبرز دور الأمم المتحدة في اخضاع هذا التطور التكنلوجي الكبير لصالح نموذج من التنمية يراعي القيود الصارمة التي يفرضها علينا كوكبنا الأرض ويراعي أيضاً احتياجات أجيالنا القادمة إلى بيئة نظيفة وصالحة للنمو البشري وازدهاره وإلى نظام إجتماعي يؤمن العدالة والمساواة والحكم الرشيد.

فاستراتيجية التنمية المستدامة هي استراتيجية المستقبل حيث تفرض التوائم في مسارات التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية والسلم الاجتماعي. وبذلك يصبح المستقبل قرار إختياري وليس حتمية قدرية.

 

شكراً.